الرئيسية » أراء حرة » الشيخ / صفوت إمام وخطيب مسجد القطب بسوهاج يكتب : المرجفون في المدينة

الشيخ / صفوت إمام وخطيب مسجد القطب بسوهاج يكتب : المرجفون في المدينة

الشيخ / صفوت إمام وخطيب مسجد القطب بسوهاج يكتب :
المرجفون في المدينة
إن الشائعات من الأمراض الاجتماعية المدمرة التي أبليت بها الأمم ، و الشائعات هي الأحدايث و الأقوال و الأخبار التي تناقلها الناس و القصص التي يروونها دون التثبت من صحتها أو التحقق من صدقها ، و يكون منشأ هذه الشائعات غالباً خبراً من شخص أو خبراً من جريدة أومجلة أو خبراً من إذاعة أو من تلفاز أو من رسالة خطية أو خبراً من أي وسيلة حديثة من وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة .
فكثير من الناس و للأسف لا تثبتون من نقل الأخبار ، و يصدرون الخبر قال بعضهم أو زعموا أو أكدت مصادر متطلعة أو إلخ …
و قد ذم الرسول صل الله عليه و سلم هذه الصيغ المجهولة و التي تؤد إلي فساد المجتمع فقال : ” بِئسَ مَطيَّةُ الرَّجُلِ ” زعَموا ” ( أبو داوود و البخاري ف الأدب المفرد بسند صحيح ) ، و هذه الكلمة التي يبدأ بها مرج الإشاعات فهو حتماً لم تثبت من الأمر هدفه من نشر الأخبار إما المصلحة المادية و الحصول علي منصب أو الظهور الإعلام أو مجاراة الناس و كسب ودهم بقذف الناس و الخوض في أعراضهم أو غرس الفتنة بين أفراد المجتمع .
أحبتي في الله : إن نقل الأخبار الكاذبة و الشائعات دون التثبت منها مرض اجتماعي خطر له أثر خبيث في إفساد القلوب ، و إثارة الشحناء ، و نشر العداوات ذلكم المرض هو مرض الشائعات أو مرض الإشاعات ، الإشاعات المختلفة فيسمعون كلمة واحدة فيزيدون عليها مائة كلمة ثم ينقلها الناس في الآفاق و ينقلها بعضهم إلي غيرهم حتى تصبح إشاعة يسير بها بين القاصي و الداني ، و يؤدي إلي توهين العزائم ، بالإضافة إلي الأذي الذي يحدثه في أعماق النفوس !!
و ما أكثر هذا في عصرنا لأن ما ينشر في الصحافة أو في الإذاعة أو في التلفاز و جمع وسائل الإعلام الحديثة يصل العالم كله كالبرق الخاطف يطير طيراً فمن أمانة الكلمة و من حفظ الكلمة أن لا تنقل من الأخبار إلا ما ثبت عندك و أن تكون صادقاً في نقل ما ثبت فليس كل خبر يصلك صحيحاً مطابقاً للواقع و ليس كل امرئ مأمونناً علي نقل الأخبار فبعض الناس لهم عادة الزيادة في الكلام و بعضهم له عادة الإنقاص منه و بعضهم يطفي عليه عاطفته و بعضهم يزيد فيه رأيه ، و قليل من الناس ما يضبط ما نقل ، و عليك أن تكون حكيماً في تعاملك مع من نقل إلي خبراً ، و لنا في سلفنا الصالح القدوة الحسنة ، فقد جاء رجل إلي عمر بن عبد العزيز يقول له : ” يا أمير المؤمنين إن فلاناً يقول عليك كذا !! قال له عمر : حسناً سننظر في أمره ، فإن كنت كاذباً صدق فيك قول المولي عز و جل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } ، و إن كنت صادقاً فأنت ممن قال فيهم (هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ) ، و إن شئت عفونا عنك فقال الرجل : العفو يا أمير المؤمنين العفو ” .. هكذا يجب التعامل مع ما نقل إليك من أخبار و إشاعات .
ولا يخفِ علينا أكبر شائعة عرفها التاريخ و هي شائعة الإفك التي رميت بها زوج النبي صل الله عليه و سلم عائشة العفيفة ابنة الصديق الطاهرة لنأخذ منها العبرة و العبر ، و القصة معروفة و مشهورة قال تعالي : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } و معلومٌ أن هذه الآية نزلت في شيخ المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول و ذلك في حادثة الإفك حين العودة من غزوة بني المصطلق ، حينما رمي السيدة عائشة بكلام فحواه وقوعها في الفاحشة مع صفوان بن المعطل ، غير أن ابن سلول لم يذكر ذلك صراحةً و لم تقم عليه البيّنه أو الدليل و هذا من خبثه و مكره ، كيف لا و هو زعيمهم ؟! لذلك لم يُقم الرسول الحد عليه و أقامه علي الباقين قال الدكتور البوطي في فقه السيرة ” فقد رأينا أن النبي
أمر أولئك الذين تفوهوا بصريح القذف فضربوا حد القذف و هو ثمانون جلدة ، و ليس في هذا من إشكال إنما الإشكال في أن ينجوا من الحد الذي تولي كِبر هذه الشائعة و تسييرها بين الناس و هو عبد الله بن ابي بن سلول ” ، و السبب كما قال ابن القيم ” أنه كان يعالج الحديث من الإفك بين الناس بخبث فكان يستوشي الكلام فيه و يجمعه و يحكيه في قوالب من لا ينسب إليه و أنت خبيرٌ أن حد القذف إنما يقع علي من يتفوه به يصريح القول .
و من صور الشائعات ما فعله المرجفون في غزوة أُحدّ و إشاعة مقتل النبي صل الله عليه و سلم – في المشركين و المسلمين ،و هذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة الذين لم يكونوا مع رسول الله صل الله عليه و سلم ،و إنهارت معنوياتهم حتى وقع داخل صفوفهم أرتباك شديد و عمتها الفوضي و الاضطراب ، و لكن ثبت جماعة من الصحابة مع النبي صل الله عليه و سلم و فقهوا الدين و عاشوا لحظات المصيبة بكامل عتادهم الإيماني و نظرتهم الشاملة لنصرة دين الله و الاستمرارية التامة لإعلاء كلمة الله حتى أخر لحظة فكانوا يبثون الحماس في نفوس اليائسين و يقولون : ” إذا كان رسولكم قد مات فقوموا فموتوا علي ما مات عليه ” !! ، و من صور الشائعات أيضاً استغلال الكفار و المنافقين لحادث رسول الله حين أخذوا يشنون الحرب النفسية ضد المسلمين عن طريق الشائعات المغرضة زاعمين أن الإسلام قد انتهي ، و لم تقوم له قائمة حتى أثر ذلك علي بعض الصحابة رضي الله عنهم ، و ظل الناس في اضطراب حتى هيأ الله الصديق أبا بكر رضي الله عنه فحسم الموقف بتذكير الأمة بقول الحق تبارك و تعالي : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ } .
و هناك صور كثيرة للشائعات عل عهد الرسول صل الله عليه و سلم كما فعل الرجفون و أعداء الإسلام في حادثة تحويل القبلة و منع المرتدين للزكاة بأعتبارها كانت تؤدي للرسول صل الله عليه و سلم فحاربهم أبو بكر رضي الله عنه ، و غير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره .
إن ضرر الشائعات يعدو من الضرر الفردي إلي ضرر اجتماعي عام ، و قد رأينا كيف تحولت بعض الكلمات الصغيرة إلي شائعات ثم إلي أحداث ثم إلي قتل و تخريب و تدمير ثم إلي دماء و أشلاء ثم إلي تأخير في نهضة الوطن و أنبعاث حضارته .
* الشائعات كم دمرت من مجتمعات و هدمت من أسر و فرّقت بين أحبة .
* الشائعات كم أهدرت من أموال ، و ضيّعت من أوقات .
* الشائعات كم أحزنت من قلوب و أولعت من أفئدة و أورثت من حسرة .
* الشائعات كم أقلقت من أبرياء و كم حطمت من عظماء و أشعلت نار الفتنة بين الأصفياء .
* الشائعات كم نالت من علماء و عظماء ؟! و كم هدمت الشائعة من وشائج ؟! و تسببت في جرائم ؟! .
* الشائعات كم أثارت فتن و بلايا و حروباً و رزايا ، و أزكت نار حروب عالمية ، و إن الحرب أولها كلام ، و رُبّ مقالة شر أشعلت فتنناً لأن حاقداً ضخمها و نفخ فها .
* الشائعات كم هزمت من جيوش ، و كم أخرت في سير اقوام .
الشائعات ألغام معنوية و قنابل نفسية و رصاصات طائشة تصيب أصحابها في مقتل ، و تفعل في عرضها مالا يفعله العدو بمخباراته و طابوره الخامس .
الشائعات و الأراجيف تعتبر من أخطر الأسلحة الفتاكة و المدمر للمجتمعات و الأشخاص بل قد تكون مُعوّل هدم للدين من الداخل أو من الخارج فه أشد من القتل ، و صدق الله تبارك و تعالي إذ يقول { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} ، و يقول في آية أخري { وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أكبر من القتل لأن القتل يقع علي نفس واحدة و يهدر نفس معصومة أما الفتنة أو الإشاعة فإنها تهدم مجتمعاً بأكمله و تقضي علي كل الفضائل فيه فالإشاعة بنت الجريمة و أشد من القتل و خطرها لا يقل خطراً عن خطر المخدرات و الآفات ، و إذا كان هناك من سعي إلي خلط الأوراق و تدمير البلاد بالتفجيرات و استهداف التجمعات و تفخيخ الأماكن العامة و المساجد و الطرقات ، فإن هناك أيضاً من ينحر المسلمين بنشر الإشاعات و يوهن عزائمهم بتلفيق المعلومات ، و كل هذا و هذا مرفوضٌ و غير مقبولٌ به .
إن المسلم العاقل يجب عليه أن يتثبت من المعلومات إذا سمعها و يتأكد من صحتها قبل نشرها و يوزن الكلام بميزان العقل الصحيح السليم قبل أن قوله و يذيعه ، لا أن يسارع في نشر الإشاعات و تلفيق الأراجيف و الكاذبات فإن الله سبحانه و تعالي يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }، و لنا في رسول الله أسوة حسنة في تثبته من الأخبار حيث أنه في غزوة الخندق أرسل النبي صل الله عليه و سلم السعدين للتأكد من نقض اليهود للعهد بل ذهب بنفسه ليستيقن الخبر .
من كل هذه المواقف نتعلم أنه عندما تشاع شائعة عن أحدٍ أمامنا يجب أن نحسن الظن بالخبر ، و ألا نصدق ناقل الإشاعة ، و أن نبغضه في الله لأنه بغيض إلي الله و رسوله ، و في ذلك يقول صل الله عليه و سلم ” إن أبغضكم إليّ المشاؤون بالنميمة ” .
لذلك عليكم بالوحدة و الاجتماع و عدم الانسياب وراء الشائعات و الدعوات الهدامة التي تدعوا إلي الفساد و الإفساد و هدم البلاد و العباد ، و علينا أن نتكاتف جميعً رجالاً و نساءًا و أطفالاً و شيوخاً من آجل بناء وطن و حضارتنا العريقة .
اللهم طهر قلوبنا من النفااق ، و أعمالنا من الرياء ، و ألسنتنا من الكذب ، و أنفسنا من الخديعة ، اللهم أحفظ مصرنا و شعبناا من كل مكروه و سوء ، و أجعل بلدنا أمناً رخاءًا سخاءًا و سائر بلاد المسلمين .

عن zema

شاهد أيضاً

محمد أبو النصر يكتب….  تأملات….لابد من ارتفاع سعر برميل النفط للانتهاء من ازمتنا الاقتصادية ……. 

محمد أبو النصر يكتب….  تأملات….لابد من ارتفاع سعر برميل النفط للانتهاء من ازمتنا الاقتصادية ……. ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *